السيد علي الفاني الأصفهاني
168
آراء حول القرآن
ألا يؤمر به فضلا عما إذا كان فيه مفسدة إذ وجب أن ينهى عنه ، ومن المعلوم أن النسخ عبارة عن إزالة الحكم عن الوعاء المناسب له وهو وعاء التشريع ، فإذا أمر الشارع بشيء في زمان لا يمكن أن ينهى عنه في زمان آخر . والجواب عن هذا الدليل أن الأفعال من حيث الحسن والقبح على نحوين : الأول : ما يكون حسنا أو قبيحا في جميع الأزمنة والأمكنة ، ولكل شخص وفي كل حال ، نظير الاعتقاد قلبا بالمعارف الإلهية الحقة لأنه حسن وعدل في عالم العبودية وموافق للبراهين العقلية التي لا تكون قابلة للتخصيص والاستثناء ، لأن قاعدة نشوء المعلول عن العلة واحتياج الممكن المسبوق بالعدم إلى الواجب الموجد له ، لا تختص بشخص دون شخص وزمان دون زمان آخر وحالة دون أخرى ، وحينذاك يحكم العقل بوجوب عقد القلب بالواجب الخالق للممكنات ويحكم بقبح الجحد به تعالى وتقدس . الثاني : ما يكون بحسب طبعه الأولى حسنا أو قبيحا ولكن ربما يطرأ عليه عنوان ينقلب به عما كان عليه من الحسن أو القبح ، ولذا قالوا بأن حسن الأفعال وقبحها كما يكون بالذات يكون أيضا بالوجوه والاعتبارات ، وقالوا بأن ضرب اليتيم من هذا القسم ، إذ ضربه بما هو ضرب إيذاء وظلم ، فهو قبيح لا محالة ، ولكن ضربه للتأديب حسن ، ونحن إذ نقبل ذلك نقول بأن السر في انقلاب الحكم في نظير المثال المذكور إنما هو لعروض عنوان حسن على الفعل يكون أولى مطابقة لعنوان العدل من أصل الفعل فالانقلاب في الحقيقة موضوعي وليس بحكمي فقط ، وتوضيح ذلك أن العدل هو الاستواء حسن وله عنوان عام ذو مصاديق غير محصورة بمقدار الموجودات ، فالعدل قابل للانطباق على النظام الكوني من الذرة إلى الذروة ، وكذا ما يقابله من الظلم وهو التجاوز عن الاستواء وله مصاديق عديدة ، فالعدل في نظام الشمس إشراقها ، والظلم